إن من يتابع ما يجرى علي الساحة العربية هذه الأيام تدفعه ذاكرته رغم أنفه إلي الوراء ليتذكر عبارة "صمت
الحملان" التى كانت اسماً لفيلم أمريكى اشتهر قبل عدة أعوام وقام ببطولته أنتونى هوبكنز وجودى فوستر. وإذا كان فيلم "صمت الحملان" الهوليوودى قد حاز خمس جوائز أوسكار من ضمنها جائزة أفضل فيلم، فإن مسرحية صمت الحملان التى تجري أحداثها حالياً ستفوز دون أدني شك بجوائز لا حصر لها، لكنها وللأسف الشديد جوائز من نوع خاص أولها الذل وآخرها الخذلان.
وبعيداً عن محتوي فيلم صمت الحملان، فهو لا يعنينا فى هذا السياق فى كثير ولا قليل، نجد أن مسرحية اليوم تخصنا فقد فرض علينا أن نلعب فيها دوراً تمثيلياً من طراز خاص وهو دور الصمت. نعم الصمت هو فحوي دورنا فيما يجرى التحضير له حالياً لشعب العراق. فها هى أمريكا وحلفاؤها يستعدون لذبح شعب بأكمله دون وازع من رحمة أو اعتبار لشرعية أو عرف. والمؤسف أن الأمة العربية قد ألجمتها الأحداث حتي أصابتها بالخرس، بل إنها اليوم تعيش مرحلة تغيير المفاهيم والأفكار حتي صارت تتبني ما يريده الأمريكيون دون أدني رغبة فى المقاومة. وشيئاً فشيئاً تحولنا إلي ببغاوات لا تدرى ما ينفعها أو يضرها. وعلي سبيل المثال، فنحن جميعاً نردد كلمة الإرهاب فى إذاعاتنا وأجهزة الإعلام ونعنى بها كل ما يخص الإسلام، أى أننا وصمنا أنفسنا بالإرهاب دون أن ندرى ما هو. وإذا كان البعض منا يدرى ويصمت فالمصيبة لا شك أعظم.
وبالعودة للشأن العراقى، تري ما هو مستقبل شعب العراق فى ظل ما يتم التحضير له الآن؟ هل عجزنا عن تصور ما يمكن أن يحدث لشعب سيذبح كالدجاج؟ وإذا كان النظام العراقى بقيادة صدام حسين مرفوضاً ومنبوذاً عربياً، رسمياً وشعبياً، فما ذنب الشعب العراقى؟ ألا يمكن أن تكون هناك مبادرات عربية لحمايته بخلع صدام حتي لو أدي الأمر للتحالف مع أمريكا؟ إذ ما الفرق بين استعانة الجامعة العربية وتحالفها مع قوات أمريكا عام 1991م لطرد العراقيين من الكويت، وبين التحالف مع الأمريكيين لخلع صدام؟
إذا كان الهدف فى الأولي هو استعادة أرض الكويت، فلا شك أن حرمة دماء الناس أهم وأولي فى الثانية. نعم أولي لنا أن نتحالف مع الشيطان إذا كان ذلك يمكن أن يؤدى لإنقاذ شعب عربى من مسلخ لن يرحم صغيراً أو كبيراً. إن هذا المقترح نقدمه إلي الجامعة العربية عسي أن يكون مخرجاً لإنقاذ العرب من مأزق العجز المزمن. ويمكن للجامعة العربية أن تفتح ذراعيها لاحتضان مبادرات من دول الجوار ذات الثقل الإقليمى مثل تركيا وإيران من أجل صياغة موقف ينقذ المنطقة من تداعيات لن تسلم منها أى دول مجاورة. ولا شك أن مثل هذا التحالف سيشكل أرضية صلبة تستطيع تليين الموقف الأمريكى المندفع بلا وعى وراء شهوته فى السيطرة ونهب مقدرات الشعوب. فلا يمكن لأمريكا أن تخسر كل مصالحها مع دول المنطقة إذا أحست بأن هذه المصالح مهددة بحق إذا أقدمت علي ضرب وزعزعة الاستقرار فى المنطقة. وفى السياق ذاته يمكن استقطاب دول أوروبا المعارضة للحرب حتي يتمكن الجميع من تشكيل جبهة قوية ضد الحرب.
وأعتقد أن موقف أمريكا المتخاذل أمام كوريا الشمالية المستأسدة للحفاظ علي كرامتها قد وضع أمريكا فى موقف لا تحسد عليه، مما قد يشكل فرصة تستغل من أجل المساومة قدر المستطاع لحل أزمة العراق سلمياً حتي ولو حصلت أمريكا علي ما تريد لكن دون قتل الأبرياء.
وبهذه المناسبة لابد أن يكون لعلماء الأمة دور فى هذا المسعي من خلال حث القادة والمسؤولين علي تبنى التحالف مع أمريكا الظالمة لتحقيق هدف نبيل وهو إنقاذ شعب العراق بأسره من الموت.
نعم خير لكم أن تتحالفوا مع أمريكا لضرب نظام بغداد من أن تتركوا شعب العراق يقدم قرباناً لجبار يسعي لكتابة تاريخ مزيف من البطولة. فمثل هذا التحالف يحقق ثلاثة أهداف فى آن واحد؛ أولها إنقاذ أبرياء العراق من المذبحة وكفاهم ما عانوه من بنى جلدتهم عقوداً طويلة، وثانيها إنقاذ الجامعة العربية من الانهيار إلي الأبد، ذلك أن تقاعسها عن اتخاذ أي دور فيما يجرى التحضير له سينعكس حتماً علي مستقبلها إن بقى لها مستقبل. أما الهدف الثالث فهو عدم ترك المنطقة للأمريكيين للعربدة فيها كما يشاؤون.
فى الختام.. أقدم هذا المقترح ورجائى، كمواطن عربى، أن لا يصدق قول الشاعر العربى هذه المرة أيضاً عندما قال والمرارة فى حلقه:
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادى
$ مدير التحرير - موقع نسيج.