وداعاً للغذاء الرخيص .. ولا عزاء للفقراء
تؤكد كل الشواهد والدلالات والأرقام أن العالم بدأ يدخل مرحلة جديدة سيعاني منها الفقراء كثيراً بسبب غلاء أسعار السلع الغذائية كافة. وهذا الغلاء سيضرب كل مكان في العالم ولن ينجو منه أحد، إلا الأثرياء.
نعم .. فقد ولى عصر السلع الغذائية الرخيصة الذي دام عقوداً طويلة. والآن نحن على أعتاب مرحلة جديدة قد تشهد انقلاباً جذرياً في أسعار المواد الغذائية.
ما هي الأسباب؟ ومن يقف وراء هذه الزيادة في الأسعار؟ ومن الكاسب ومن الخاسر من ذلك؟ وما هي الآثار المترتبة على هذه الزيادات؟ كل هذه الأسئلة نجيب عليها في سياق هذا التقرير. ويتعرض التقرير لتفاعل المملكة العربية السعودية مع هذه المرحلة الجديدة في ضوء القرارات الأخيرة التي صدرت عن مجلس الوزراء في شهر يناير 2008م الماضي.
في أوائل شهر سبتمبر 2007م الماضي ارتفع السعر العالمي للقمح إلى أكثر من 400 دولار أمريكي للطن، وهو أعلى سعر تم تسجيله حتى الآن. ومع أن سعر القمح بالأسعار الحقيقية لا يزال أدنى بكثير من الأسعار العالمية التي بلغها عام 1974م، إلا أنه لا يزال ضعف متوسطه خلال الخمسة والعشرين عاماً الماضية.
كذلك تجاوز سعر الذرة 175 دولاراً أمريكياً للطن مؤخراً، وهو أيضاً رقم قياسي عالمي. ورغم أن الأسعار تراجعت بعض الشىء إلا أنه لايزال أعلى من المتوسط العام بنسبة 50% لعام 2006م، إذ يبلغ الآن 150 دولاراً أمريكياً للطن الواحد.
وحين يرتفع سعر أحد المحاصيل يسارع المزارعون لزراعته لتحقيق الربح، فيحولون الأرض لاستخدامات أخرى، وبالتالي فإن زيادة أسعار القمح كانت لها آثار غير مباشرة على محاصيل أخرى. وقد بلغت أسعار الأرز مستويات قياسية العام الماضي 2007م مع أن ارتفاعها كان أبطأ. ويبلغ مؤشر أسعار السلع الغذائية الخاص بمجلة الإيكونومست أعلى مستوى له منذ بدأ هذا المؤشر عام 1845م حيث ارتفع بنسبة الثلث في العام 2006م وحده.
وفي العادة تعكس أسعار السلع الغذائية المرتفعة جداً الندرة الناتجة عن فشل المحاصيل وقلة المخزونات، إلا أن أبرز معالم الفترة الحالية هو أن هذه الأسعار المرتفعة تأتي في وقت وفرة لا في وقت ندرة. ووفقاً لمجلس القمح العالمي، الهيئة التجارية في لندن، فإن إجمالي محصول الحبوب للعام 2007م سيكون 1.66 مليار طن وهو الأكبر الذي تم تسجيله وأكثر بمقدار 89 طناً عن حصاد عام 2006م.
أسباب المشكلة
أولاً : الثروة المتزايدة في الصين والهند، والتي تحفز الطلب على اللحوم في تلك الدول مما يعزز الطلب على الحبوب لإطعام الحيوانات. وقد جعلت الدخول الأعلى في الصين والهند مئات الملايين من الناس أثرياء بما يكفي لتحمل تكلفة شراء اللحوم وأغذية أخرى.
وعلى سبيل المثال، كان المستهلك الصيني العادي يأكل 20 كجم من اللحوم سنوياً، أما الآن فهو يأكل أكثر من 50 كجم من اللحم سنوياً. وربما تكون شهية الصين للحوم قد بلغت مرحلة الإشباع إلا أن هناك دولاً أخرى مازالت في طور النمو وشهيتها للحوم مازالت مرتفعة.
وليس من المستغرب إذاً أن يتحول المزارعون أيضاً، فهم الآن يطعمون حيواناتهم حبوباً أكثر بمقدار 250-300 مليون طن عما كانوا يطعمونها قبل 20 عاماً من الآن. وتسهم هذه الزيادة وحدها بحصة كبيرة من محصول الحبوب العالمي.
ومنذ أواخر عقد الثمانينات من القرن العشرين الميلادي الماضي، تسببت الزيادة السنوية الكبيرة البالغة بين 1% و2% في الطلب على حبوب العلف بزيادة الطلب الاجمالي على الحبوب مما أدى لرفع الأسعار.
ثانياً: الطلب على الإيثانول: التغير الثاني الذي طرأ على المحاصيل الزراعية، هو زيادة الطلب على الإيثانول كوقود للسيارات. ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال تم في عام 2000م تحويل حوالي 15 مليون طن من محصول الذرة الأمريكي إلى إيثانول، وخلال العام الماضي 2007م تم تحويل 85 مليون طن من الذرة إلى إيثانول. وحيث أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر مصدر للذرة في العالم، فهي تخطط لزيادة إنتاج الإيثانول من الذرة، مما سيؤثر حتماً على محصول الذرة كمحصول غذائي ويرفع سعره في السوق.
وكان الإيثانول هو السبب الرئيسي لزيادة أسعار الحبوب العام الماضي بسبب التوسع الكبير في برنامج إنتاج الإيثانول منذ عام 2005م. وفي الوقت نفسه، يسهم الإيثانول في بعض الزيادة في أسعار محاصيل وأغذية أخرى أيضاَ، وأحد الأسباب أنه يتم إطعام الذرة للحيوانات التي أصبحت تربيتها الآن أكثر تكلفة. وقد دفع ذلك المزارعين الأمريكيين إلى زيادة إنتاج الذرة على حساب محاصيل أخرى. وتدل الأرقام الخاصة بمحصول هذا العام، أن المزارعين زادوا الأرض المخصصة للذرة بنسبة الربع على حساب بقية المحاصيل الأخرى.
وتبلغ الزيادة في كميات الذرة الأمريكية التي ستخصص لإنتاج الإيثانول حوالي 30 مليون طن، ولولا وجود هذا البرنامج لما ارتفعت أسعار الحبوب الغذائية. وللدلالة على خطورة هذا التحول نذكر أن الحبوب اللازمة لتعبئة سيارة رياضية واحدة كافية لإطعام شخص واحد طوال عام كامل.
وتتبنى الحكومة الأمريكية برنامج الإيثانول وتدعمه بإعانات حكومية. كما تفرض الحكومة رسوماً جمركية تبلغ 53 سنتاً أمريكياً على كل جالون من الإيثانول المستورد، باستثناء الإيثانول البرازيلي المصنوع من السكر وليس من الذرة ، والذي لا يضر بالبيئة. وتبلغ الإعانات الفيدرالية الأمريكية المشجعة لإنتاج الإيثانول 7 مليارات دولار أمريكي سنوياً.
الوقود البديل
تتبنى الحكومة الأمريكية سياسة إنتاج الوقود البديل كسياسة استراتيچية، وهذا ما يدل عليه برنامج دعم إنتاج الإيثانول. ومن يتابع برامج مرشحي الرئاسة الأمريكية يجد أن دعم هذا البرنامج قاسم مشترك في معظم برامج المرشحين.
ومن ثم، فمن المرجح أن يظل الطلب على الحبوب قوياً لفترة من الزمن، كما أن تلبية هذه الزيادة على الطلب لن تكون يسيرة، حيث أن الزيادة في الإنتاج لا يمكنها أن تواكب الزيادة الصاروخية في الطلب بسبب تغير مقاصد الإنتاج فجأة، وهو ما لا يتأتى مع طبيعة الإنتاج الزراعي الذي يتطلب زراعة مساحات واسعة جديدة من الأرض حتى تستوعب الطلب المتنامي بصورة مفاجئة.
ومن الخطأ التنبؤ باتجاهات طويلة الأجل في الزراعة، فالتكنولوچيا تتحول بطريقة غير متوقعة دائماً. لكن المؤكد حسب معظم الخبراء أن أسعار الحبوب الغذائية ستظل مرتفعة لمدة تقارب العشر سنوات من الآن. وحسب تقارير معهد أبحاث السياسة الغذائية الدولي، فإنه نظراً لأن الإنتاج لن يلبي الطلب بالكامل، فسترتفع أسعار الحبوب الغذائية بنسبة تتراوح بين 10? و20% بحلول عام 2015م. بل إن منظمة الزراعة والأغذية التابعة للأمم المتحدة «الفاو» تتوقع استمرار الزيادة في الأسعار حتى عام 2017م.
انقلاب بين زمنين
يفسر المراقبون المؤشرات الخاصة بأسعار الحبوب، بأنها انقلاب بين زمنين، فبعد أن سادت حالة من الثبات في أسعار الحبوب الغذائية عند مستويات منخفضة ولمدة طويلة، ستشهد الفترة القادمة تصاعداً في الأسعار على نحو مغاير تماماً لما ساد من قبل.
فمنذ عقود كانت أسعار الحبوب وغيرها من المواد الغذائية في انخفاض سواء في المتاجر أو في الأسواق العالمية، وكان مؤشر صندوق النقد الدولي لأسعار السلع الغذائية عام 2005م أدنى بقليل عما كان عليه عام 1974م، مما يعني أن الأسعار الحقيقية للغذاء انخفضت خلال الثلاثين عاماً هذه بنسبة 75%. وفي الستينات من القرن العشرين الميلادي المنصرم شكل الغذاء ربع متوسط الإنفاق الأمريكي، وفي عام 2005م كانت النسبة أقل من السبع.
ولتقريب المشهد أكثر، نذكر أنه إذا ظلت أسعار السلع الغذائية على مستوياتها الحالية، فسيكون ذلك اختلافاً جذرياً عن الماضي الذي اعتاد فيه المتسوقون والمزارعون على الانخفاض الضئيل في أسعار السلع الغذائية على أساس سنوي. وسينهي هذا حقبة الأغذية الرخيصة وستصل تأثيراتها إلى كل مكان وسيضر كثيراً بالدول الفقيرة التي تعتمد في غذائها على الاستيراد من دول أخرى.
مستفيدون ومتضررون
بالطبع لكل أزمة وجهين مثل أي عملة. وفي هذه الأزمة سيستفيد المزارعون حتماً من تلك الزيادات في الأسعار الناتجة عن زيادة الطلب. وعلى سبيل المثال سيبلغ صافي دخل المزارعين الأمريكيين نحو 87 مليار دولار أمريكي للموسم الحالي فقط، وهو أعلى بنسبة 50% عن متوسط صافي الدخل الذي كان يحققه هؤلاء المزارعون للسنوات العشر الماضية. كذلك فإن الدول المصدرة ستستفيد حتماً من هذه الزيادات مثل الهند وسويسرا وجنوب أفريقيا. وقد يؤدي ذلك لانقلاب كبير في ديموجرافية مناطق كثيرة من العالم الذي شهد ولسنوات طويلة هجرات من الريف والأقاليم إلى المدن بسبب ضعف مردودات العمل الزراعي، حيث أنه بزيادة العائدات ستقل الفجوة الهائلة التي كانت تنمو بين الريف والحضر في العديد من دول العالم.
ماذا تفعل الدول المستوردة؟
هناك دول كثيرة تعتمد في غذائها على الاستيراد، مثل المملكة العربية السعودية واليابان والمكسيك ودول أخرى عديدة. وهذه الدول ستضطر إلى زيادة مخصصات الاستيراد للمواد الغذائية. وإذا كانت هناك دول قادرة على دفع هذا الفرق الكبير في فواتير الغذاء، فهناك على الجانب الآخر دول أكثر ستعاني الأمرين لتوفير لقمة العيش مثل بنجلاديش وبنين والنيجر وغيرها من الدول الفقيرة. وتقدر النفقات التي ستدفعها الدول النامية لاستيراد الحبوب بنحو 50 مليار دولار أمريكي، بزيادة بنسبة 10% عن عام 2006م.
إجراءات وقائية
في ظل ما يحدث، كان على الدول أن تتدخل حتى تسيطر على أوضاعها الداخلية بهدف تأمين سوق حبوب مستقرة لديها في الداخل، ولو بشكل مؤقت، لامتصاص الصدمة الراهنة. وفي هذا السياق، بدأت بعض الدول مثل المغرب ومصر والأرجنتين والمكسيك والصين وروسيا فرض قيود على أسعار السلع المحلية لضبط الأسعار، كما فرضت دول أخرى ضرائب على الصادرات وقللت المستورد من الحبوب الغذائية، مثل الهند و?يتنام وصربيا وأوكرانيا.
خطوة مهمة في السعودية
ولمواجهة ارتفاع أسعار بعض السلع الغذائية في المملكة العربية السعودية والتأكد من أن الموردين لن ينتهزوا أسباب ارتفاع الواردات من السلع الغذائية من المصدر، ومن أجل القضاء على أي توجهات من قبلهم لرفع الأسعار، فقد أقرَّ مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة يوم الاثنين 21 يناير 2008م الماضي تنظيم «جمعية حماية المستهلك». وتهدف هذه الجمعية إلى العناية بشؤون المستهلك ورعاية مصالحه والمحافظة على حقوقه والدفاع عنها.
وجاء قرار مجلس الوزراء كخطوة يرى المحللون أنها ستؤدي لتحفيز مؤسسات المجتمع المدني على رفع جاهزيتها نحو تبني قضايا المستهلكين التي تمس احتياجاتهم الحياتية وفق عمل مؤسساتي، والاطلاع على تجارب الدول الأخرى في قضايا حماية المستهلك والاستفادة منها.
وجاء في حيثيات قرار مجلس الوزراء مفردات مباشرة للتعبير عن دور الجمعية، كالحماية من (الغش، التقليد، الخداع، الاحتيال، التدليس)، وهي المفردات التي يعتقد المتابعون للشأن المحلي أن التعاطي معها أصبح من أساسيات المعالجة عند الحديث عن حماية المستهلكين.
ويعتقد المراقبون، أن توقيت إقرار تنظيم الجمعية جاء في الوقت المناسب، خاصة أن مسوحات للرأي العام، حسب ما تتعاطاه المنتديات العامة سواء في وسائل الإعلام أو عبر الشبكة العنكبوتية، تدلل على اتجاه الأفراد لتأسيس تكتلات ضد المؤسسات والشركات التي تروج السلع «المقلدة» أو «المغشوشة» أو المرتفعة سعرياً.
وكانت جهات مدنية قد أعلنت عزمها إنشاء جمعيات أهلية لحماية المستهلك، تقوم على العمل التطوعي، لنشر التوعية وتثقيف المجتمع بكيفية التعامل مع حالات الغش والخداع والغلاء.
ويشكل القرار بتنظيم جمعية لحماية المستهلك، برأي المتابعين، أحد الأشكال التكاملية لبناء مؤسسات المجتمع المدني وإثراء دوره في إدارة قضايا المجتمع وفق آلية تراعي أولوية المهام لتحقيق التكامل بين ما هو تشريعي وما هو رقابي أو توعوي.
وعاد مجلس الوزراء وأكد في جلسة لاحقة عقدت يوم الإثنين 28 يناير 2008م الماضي على تفعيل نظام المنافسة الذي يهدف إلى حماية المنافسة العادلة وتشجيعها، كما حث المجلس على منع أي نوع من الممارسات الاحتكارية وألمح إلى إعادة النظر في نظام الوكالات التجارية لمنع الاحتكار. وقد أقر المجلس في هذه الجلسة استمرار دعم السلع الأساسية للتخفيف من حدة ارتفاع أسعارها ومراجعة ذلك بعد ثلاث سنوات، واعتمد علاوة لبدل غلاء المعيشة لموظفي الدولة لمدة ثلاث سنوات.