أشارت دراسة بحثية متخصصة إلى تأثر المهنيين العاملين في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالأزمة المالية العالمية الراهنة بشكل كبير، حيث أن ثلثي هؤلاء لم يتلقوا أية زيادة في الرواتب، وواحد من كل عشرة أشخاص فقد وظيفته خلال عام 2009م الماضي. ونشرت مؤسسة جلف تالنت دوت كوم، المتخصصة في مجال التوظيف الالكتروني من خلال شبكة المعلومات العالمية، دراستها السنوية الخامسة لتوجهات سوق دول العمل في المنطقة تحت عنوان «التوظيف وحركة الرواتب في الخليج العربي 2009 – 2010م». وقدمت المؤسسة أول بحث شامل حول تأثير الأزمة المالية العالمية الراهنة على نشاطات التوظيف ومستويات الرواتب والبدلات في دول المنطقة.
وحسب نتائج الدراسة، انخفضت بحدة معدلات زيادات الرواتب في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست خلال فترة الـ 12 شهراً الماضية حتى أغسطس 2009م الماضي بنسبة 6.2% مقارنة بـ 11.4% خلال الفترة نفسها من عام 2008م.
وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة الأكثر تأثراً بانخفاض الرواتب، حيث انخفضت زيادات الرواتب من نسبة 13.6% إلى 5.5% فقط، ويعود السبب في ذلك للانكشاف الواضح للقطاع العقاري. كما شهدت دولة الكويت انخفاضاً ملموساً في مستويات الرواتب حيث انخفضت من 10.1% إلى 4.8%، بعد هبوط قيمة استثماراتها المالية.
أما في المملكة العريبة السعودية، فقد وصلت نسبة زيادة الرواتب إلى 6.5% مقارنة بـ 9.8%، مسجلة بذلك أقل نسبة انخفاض بين الدول الخليجية، حيث عززت مشروعات البنية التحتية التي تقوم بها الحكومة السعودية النشاط الإقتصادي.
وفيما يخص القطاعات، حصل العاملون في مجال تدقيق الحسابات على أكبر زيادة في الرواتب حيث وصلت نسبتها إلى 7.5%، وذلك بعد ازدياد الطلب على خدماتهم بعد انهيار العديد من المؤسسات الكبرى حول العالم جراء الأزمة. في حين حصل العاملون في مجال الموارد البشرية على أقل زيادة هذا العام وهي 4.8% وذلك نظراً لتأثر عمليات التوظيف بتداعيات الأزمة المالية العالمية الراهنة وعدم بقائها على سلم أولويات المؤسسات في المنطقة.
وحسب تقرير جلف تالنت دوت كوم، انتقل ميزان القوة من طالبي الوظائف إلى جهات التوظيف بسبب انخفاض الطلب على الكوادر المهنية وتوفر أعداد أكبر من طالبي العمل على المستويين المحلي والدولي، وأدى ذلك إلى تخفيف الضغط على معدلات الرواتب. وقال 60% من المهنيين الذين شملهم التقرير إنهم لم يتلقوا أية زيادة في الرواتب، مقارنة بزيادة بلغت 33% العام السابق. أما من حصل على زيادة في الراتب، فكانت معظم تلك الحالات نتيجة للأداء الذي شهده عام 2008م، وتمت الموافقة على زيادات الرواتب تلك قبل أن تتضح بالكامل أبعاد الأزمة.
وبينما تباطأت معدلات الزيادة في الرواتب مقارنة بسنوات الازدهار، تبقى تلك المعدلات عالية إذا ماقورنت بمناطق العالم الأخرى حيث لايزال التباطؤ في المنطقة أقل حدةً مقارنة بأسواق الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. وتُقدر معدلات الزيادة في رواتب القطاع الخاص في المملكة المتحدة بـ 1.5% وفي الولايات المتحدة الأمريكية 3.7%، حسب دراسات دولية.
إضافة إلى ذلك، حسب تقرير مؤسسة جلف تالنت دوت كوم، وللمرة الأولى خلال سنوات، تفوقت معدلات زيادات الرواتب في معظم دول الخليج العربية على معدلات التضخم. ونتيجة لذلك، شهد الموظفون الذين لم يفقدوا وظائفهم تحسناً في مستويات المعيشة وإمكانات الادخار، خاصة في إمارة دبي والعاصمة القطرية الدوحة حيث انخفضت الإيجارات السكنية بأكثر من 30%.
فقدان الوظائف
وفي كافة أنحاء دول الخليج العربي، فقد 10%، أو واحد من كل عشرة مهنيين، وظائفهم، وسجلت أعلى نسبة في دولة الإمارات العربية المتحدة (16%)، بينما سجلت أدنى نسبة في سلطنة عُمان (6%). وحسب القطاعات، شهد القطاع العقاري أكبر نسب فقدان الوظائف (15%).
أما من الناحية الديموجرافية، كانت الفئات الأعلى تأثراً بفقدان الوظائف هي فئة التنفيذيين (13%) والوافدين من الدول الغربية (13%).
وكانت حالات إنهاء خدمات المواطنين الخليجيين أقل من المعدّل، حيث بلغت النسبة 9%، وذلك بسبب القيود الحكومية على إنهاء خدمات رعاياها والتي أصبحت أكثر صرامةً خلال فترة الأزمة.
وبما أن إنهاء الخدمات ليس خياراً، قال بعض أرباب الأعمال في مقابلاتهم مع جلف تالنت دوت كوم أنهم أصبحوا أكثر حذراً في توظيف المواطنين الخليجيين.
وبالرغم من أن جزءاً من العمالة الوافدة ممن فقدوا وظائفهم عادوا إلى بلدانهم، وجدت الدراسة أن الكثيرين منهم وجدوا وظائف في مناطق أخرى في الخليج العربي. وبشكل خاص، انتقل الكثيرون من دبي إلى إمارة أبوظبي أو العاصمة القطرية الدوحة أو المملكة العربية السعودية.
وتظهر بيانات الدراسة أنه من بين الوافدين المقيمين في إمارة دبي، ارتفع عدد العاملين في إمارة أبوظبي خلال عام 2008م ثلاثة أضعاف، من 1% إلى 3%، وهي نزعة نجد شاهداً عليها في الحركة المرورية المتنامية على الطريق السريع الذي يربط دبي بأبوظبي.
وحسب اللقاءات التي أجرتها جلف تالنت دوت كوم حول الشركات العاملة في المنطقة، فقد كان للسوق السعودية وضع استثنائي. فنظراً لحجمها الكبير والنمو المتواصل في بعض القطاعات، فقد تمكنت العديد من الشركات من تحقيق معدلات نمو في أعمالها في المملكة العربية السعودية، معوضةً الحد من نشاطها في أماكن أخرى.
وعلى نحو مشابه في كافة أنحاء المنطقة، استفادت شركات كثيرة من أعداد المرشحين للعمل للتخلص من موظفين غير أكفاء يعملون لديها واستبدالهم بمهنيين ذوي كفاءات متميزة والذين كانوا في السابق غير متوفرين في سوق العمل أو كانت تكلفتهم العالية عقبة صعبة أمام تلك الشركات.
نظرة مستقبلية
حول آفاق التوظيف في عام 2010
تتباين توقعات دراسة جلف تالنت دوت كوم لعام 2010م الجاري. فقد أشارت 15% من الشركات التي شملتها الدراسة إلى أنها تنوي إجراء تقليص إضافي في عمالتها، بينما توقعت 51% من الشركات زيادة أعداد موظفيها. وبشكل عام، تتوقع الدراسة زيادة معينة في نشاطات التوظيف العام 2010م الجاري، ولكنها حذرت من أن حجم عمليات التوظيف لن تصل في الأمد المنظور إلى المستويات التي كنا نشهدها خلال سنوات الطفرة.
وبحسب تقديرات الشركات، تتوقع الدراسة أن يصل معدل زيادة الرواتب العام 2010م الجاري إلى 6.3%، وتتربع على رأس القائمة سلطنة عُمان بنسبة 9.7%، بينما تبلغ أدنى نسب الزيادة في الرواتب 4.2% في دولة الكويت.
الجدير بالذكر أن دراسة جلف تالنت دوت كوم اعتمدت على بيانات شملت 24000 مهني في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست، إضافة إلى لقاءات مع رواد الأعمال الإقليميين ومدراء الموارد البشرية. وتم تنفيذ الدراسة في شهري سبتمبر وأكتوبر 2009م، وقبل نشر إعلان شركة دبي العالمية حول إعادة هيكلة ديونها.