ماذا بعد تقرير ديوان المراقبة العامة؟أثر أخلاقيات المحامي على العدالة والقضاءالأهمية الاقتصادية للوقفالمصارفة عبر الهاتف.. رؤية شرعيةسوق التطوير العقاري السعودي الأكثر استقراراً فـي المنطقةالبريد السعودي يتبنى حلول برمجيات مايكروسوفت لخفض التكلفةأسسها عبدالله إبراهيم الخريف عام 1957م مجموعة الخريف تدشن هويتها التجارية الجديدةالفئة السابعة من BMW تكنولوچيا متطوّرة لتعزيز السلامةرينو تجدد التزامها بعالم الفورمولا 1جي إم سي غرانيت .. تصميم وعملانيةشفروليه كروز أفضل سيارة عائلية صغيرةجمجوم للسيارات والمعدات .. العميل أولاًأبرز توجهات قطاع الأغذية لعام 2010بسبب الأزمة الـمالية العالـمية تراجع التوظيف في دول الخليج العربيمنتدى الاتحاد الخليجي لمصنعي البتروكيماويات والكيماويات يركز على التنمية المستدامةالدكتور مازن بليلة: واحة جدة للعلوم الترفيهية أهم أماكن جذب الزوار في جدةفندق المنزل يحصل على المركز الأول حسب موقع تريب أد?ايزر الإلكترونيرغدان تجدد ألوانها وتسعد جمهورهاالإنــارة السـعـودية .. جودة فائقة تدوم طويلاًأسمنت اليمامة .. خطط طموحة للتوسع فـي الإنتاج وفق الـمواصفات العالـميةمنتجات «سا?يتو» تحصل على أعلى شهادات الجودة العالميةمن أروقة التحريرمن كنوز عثمان الصالح .. ابنه بندر يكشف أرشيفه رسالة خاصة من الأمير نايف ترسم معالم طريق ابنه محمدمستقبل واعد للصناعات السعوديةأمير منطقة الرياض يأمر بإنشاء مركز الرياض للتنافسيةخير الكلامأخبار المجتمعمتى يكون المستشار متميّزاً؟ في هذا العدد
217 رقم العدد :
01/02/2010 تاريخ العدد :
الرأي
البحث في المجلة
المجلة
موقع المجلة
بريد المجلة
دار الدراسات الاقتصادية
دار الدراسات الاقتصادية
www.studieshouse.com
البريد الإلكتروني
esh@studieshouse.com
الرأي
الأزمة الـمالية العالمية... أزمة أم حركة تصحيح؟
د. رضا عبد السلام إبراهيم علي
د. رضا عبد السلام إبراهيم على
د. رضا عبد السلام إبراهيم على
وقعنا كمحللين في فخ الأخطاء اللغوية، وواصلنا الإنسياق وراء المضللين، بأن أسمينا ما لحق بالاقتصاد العالمي خلال العام المنقضي بأنه أزمة. فهل هي حقاً أزمة؟ أم هي مجرد عملية تصحيح قوية لخطأ أو أخطاء جسيمة وقع فيها الاقتصاد العالمي والقائمين عليه؟
إن الدارس المتعمق، والأمين علمياً، للأنظمة الاقتصادية وتطور مؤشرات الاقتصاد العالمي كان عليه أن لا يتوقع سوى ردة فعل مساوية للفعل ومضادة له في الإتجاه. فأحلك ساعات الليل إظلاماً هي الساعات التي تسبق نور الصباح. وأعتقد أن البالون العالمي كان قد وصل إلى مرحلة من الإنتفاخ ما كان بالإمكان توقع استمرار تمدده إلى مالا نهاية. كان لابد أن يأتي التصحيح الذي يعقب الخطأ الفادح، وأعتقد أن هذا شيئاً منطقياً للغاية. فقد كنت أول من بشر بانهيار الليبرالية الجديدة، من خلال مؤلفي «انهيار العولمة: هل حقاً يعيد التاريخ نفسه وتنهار العولمة المعاصرة كما انهارت في موجتها الأولى بالكساد العظيم». وقد نالت هذه الدراسة جائزة الدولة في الاقتصاد عام 2003م، وهي متاحة على شبكة الإنترنت.
ونظراً لأن اسمي ليس توني أو جون أو مايكل فكان طبيعياً أن يستهان بفكري وتحليلي. وأتذكر أنني أهديت الأستاذ عمر موسى، أمين عام الجامعة العربية، نسخة من هذا المؤلف خلال مؤتمر بمقر الجامعة العربية عام 2004م، فنظر إلى العنوان ثم نظر إلي باستغراب (لا أقول استهتار) وقال «انهيار العولمة؟!» الناس تتحدث عن ميلادها وأنت تتحدث عن انهيارها؟!
إذاً، لماذا نسميها أزمة وهي قد ضربت في المقام الأول من أشعلوها، سواءً دولاً بعينها أو أشخاصاً معينين، وتحديداً كبار المقامرين وكبار أثرياء العالم، الذين برزوا وأثروا ثراءً فاحشاً خلال سنوات معدودة!!
فقد تبين لنا أنهم كانوا في مقدمة المضارين مما أسميناه تجاوزاً بالأزمة. فهل هي بهذا الشكل أزمة أم عملية تصحيح؟! فما طار طائر وارتفع إلا وكما طار وقع. أي نمو غير طبيعي أو طفرة غير طبيعية لابد وأن يعقبها وبالقوة نفسها انهيار غير طبيعي، حتى تعود الأمور أقرب إلى نصابها الصحيح.
لا يمكن أن ندعي بأن الأمور عادت إلى نصابها الصحيح، ولهذا علينا أن نتوقع استمرار عملية التصحيح لفترة أطول، حتى نقترب من وضع ما قبل الانطلاق لنبدأ رحلة جديدة...وهكذا دواليك.
فقط للاستدلال ولتأكيد صدق منطقنا، نستعين فقط بشواهد محددة عكست حقيقة الوضع خلال عقد ما قبل الأزمة. نعم...تحسنت المؤشرات الإجمالية العامة كالناتج المحلي أو متوسطات الدخول، ولكن تبين لنا أنها مؤشرات مضللة، نعم مضللة. فلا يعني نمو الناتج المحلي في مصر مثلاً أو نمو متوسطات الدخول بنسبة 10% تحسن مستويات معيشة المصريين أو أوضاعهم الاجتماعية، بل العكس شهدنا خلال العقد المنقضي تحول المجتمع شيئاً فشيئاً إلى مجتمع القلة الغنية والقاعدة الفقيرة، وتلاشت تقريباً الطبقة الوسطى التي كانت تشكل صمام أمان ورمانة ميزان المجتمع. بدأنا نسمع ونشاهد كيف يعيش قلة ممن أثروا على حساب القاعدة، وكيف ينفقون ببذخ يميناً ويساراً، في وقت لم يعد فيه بمقدور أغلب أفراد المجتمع توفير احتياجاتهم الأساسية، فهل هذا وضع طبيعي؟
وما قيل بالنسبة لمصر يقال بالنسبة لأغلب دول العالم. فالولايات المتحدة الأمريكية نفسها، معقل الليبرالية، يعيش فيها حالياً أكثر من 45 مليون تحت خط الفقر بحسب إحصاءات البنك الدولي.
فلا شك أن عالمنا عايش وضعاً شاذاً، ما كان له أن يفضي إلا إلى تصحيح. صحيح لم يحدث التصحيح بشكل كامل أو بالمستوى المستهدف، ولكن على الأقل أوقف موجة ارتفاعات الأسعار وخفضها بنسب تراوحت مابين 20? و30% بالنسبة لأغلب السلع على مستوى العالم.
علينا أن نتذكر أيضاً أزمة الغذاء العالمي، التي ضربت مباشرة قبل عملية التصحيح، والتي لم تكن وليدة زيادة فجائية في عدد سكان العالم أو زيادة فجائية في طلبهم على السلع أو انخفاض مفاجئ في المعروض، ولكنها كانت ببساطة شديدة وليدة جشع القلة (المليارديرات) الذين تكالبوا للاتجار في كل شيء وبكل شيء، حتى أقوات الناس واحتياجاتهم الأساسية. كان لابد وأن يوضع حد لهذا السفه وتلك المقامرات، ومن يبحث عن دليل على صدق أو حقيقة هذا الأمر عليه العودة إلى بورصة شيكاغو للحبوب أو بورصة نيويورك للسلع.
فقد خضع كل شيء لأهواء المقامرين، ومن بينهم للأسف ما يسمى بصناديق الثروة السيادية. ولهذا كان علينا ألا نعجب عندما نسمع عن خسائرهم الفادحة، فخسائر الصناديق الخليجية وحدها تراوحت مابين 350 مليار و 450 مليار دولار أمريكي، والتي هي في حقيقتها ليست خسائر بقدر ما هي عودة للمال الحر، كما نقول بلغتنا العامية.
كان علينا توقع انفجار البالون الأمريكي في أية لحظة، بعد أن تحول اقتصاد أكبر قوة في العالم إلى اقتصاد مضاربات، توارت فيه قطاعات الإنتاج الحقيقي، وبات بيئة خصبة للمضاربات، وأصبح مستورد صافٍ للسلع، ومن يبحث عن دليل عليه دراسة تطور وضع الميزان التجاري السلعي الأمريكي مع كافة دول العالم وفي مقدمتها الصين. يكفينا الاستدلال بوزن قطاع التمويل والعقار ووزن قطاع الإنتاج السلعي من الناتج المحلي، ففي الوقت الذي وصلت فيه حصة قطاع التمويل إلى أكثر من 20% من الناتج المحلي منتصف 2008م، تراجعت حصة قطاع الإنتاج السلعي إلى حوالي 14% فقط. أي أن الاقتصاد الأمريكي بات شبه مستورد صافٍ للسلع من باقي دول العالم.
وقد عكفت الولايات المتحدة الأمريكية منذ إلغاء نظام بريتون وودز (وهو النظام الذي كان يسمح لحامل الدولار بطلب تحويله إلى ذهب) على تصدير الوهم (الدولار المُعَرَىَ) للعالم. أقنعت الولايات المتحدة الأمريكية الجميع بالدولار الحر وربطت به رقاب الجميع، وكانت تحصل على كل شيء تريده من الدول الخادمة في مقابل تصدير أوراق (الدولار). ما تكلفته الولايات المتحدة كان مجرد الورق والحبر والآلات المخصصة لطباعة الدولار الأمريكي!
وكانت الولايات المتحدة، ولازالت، على يقين بأن الدولار الأمريكي الذي طوقت به الرقاب لن ينهار، لأن الجميع مرتبط به رغم أنفه، وأن الجميع سيبادر إلى الاستثمار في الولايات المتحدة الأمريكية وإقراض الحكومة الأمريكية بل وحماية استقرار الدولار. ولهذا ذكر أحد الاقتصاديين الألمان بأننا نصدر السيارات الألمانية للولايات المتحدة الأمريكية في مقابل الحصول على الدولار، ثم يضطر البنك المركزي الألماني إلى إعادة هذا الدولار إلى خزانة الولايات المتحدة الأمريكية، أي أن الأمريكيين يحصلون على منتجاتنا بلا مقابل.
كل هذا أدركناه كمحللين قبل وقوع ما أسميناه تجاوزاً «بالأزمة»، ولكن أصوات وأبواق التهليل والتكبير كانت هي الأعلى، إلى أن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. الآن وبعد أن تراكمت المشكلات وتصاعدت حدة الأخطاء، كان لابد وأن يعقبها التصحيح. وها قد بدأنا عملية التصحيح، والتي إذا تركناها تأخذ مجراها الطبيعي فستكون بداية لميلاد نظام عالمي جديد، نظام يعكس الوزن الحقيقي للدول، نظام تتحلل فيه رقاب الأمم من طوق الدولار، نظام سلمي يعلي من شأن الاقتصاد، ويخمد سيوف القتال التي أشهرتها الولايات المتحدة وحلفائها في وجه أغلب مناطق العالم.
وحتى يحقق التصحيح أهدافه، علينا أن نكون مدركين جيدين للمشكلات والأسباب التي قادتنا إلى الأخطاء الجسيمة وأن نسعى لأن يشملها التصحيح، لابد وأن نتعامل معها تعامل الطبيب مع المريض، من خلال توصيف سليم للمرض، يعقبه تقديم العلاج المناسب، وإلا فإن التدخل المعوِق للتصحيح سيؤخر العملية وربما يخلق مشكلات أخرى نحن في غنى عنها. لابد وأن نصحح خطأ ربط أعناقنا بالدولار الأمريكي، فقد شكل معيار الدولار الأمريكي أكبر خطأ ارتكبته الولايات المتحدة الأمريكية في حق اقتصادها وفي حق باقي دول العالم. لابد وأن يعمل الأمريكيون مثل باقي الشعوب، وأن يعامل الجميع كأسياد.
لابد من إصلاح نظام منظمة التجارة العالمية، الذي وضع الدول النامية والفقيرة على موائد الأغنياء والأقوياء، فليس من المنطق وضع بلد كمصر في حلبة المصارعة نفسها مع الصين، ونقول نتركهم لحرية السوق، فالنتيجة معروفة مسبقاً، ومن يبحث عن دليل عليه مراجعة وضع الميزان التجاري السلعي لمصر منذ انضمامها للمنظمة.
وحتى لا نكرر الخطأ، علينا أن نعلن التوبة وعدم العودة إلى مبادئ الليبرالية الجديدة التي تؤمن بالحرية المطلقة وسلامة منطق اليد الخفية، ولكن أيضاً علينا ألا نُغرِق في التدخل الحكومي، لأن الاشتراكية لا يمكن أن تقدم بديلاً أو حلاً لمشكلات عالمنا. نحن بحاجة إلى نظام لا تغيب فيه الدولة، نظام يؤمن بالحرية، ولكنها الحرية المقيدة والموجهة والمرتبطة بضوابط المصلحة العامة، فقد ثبت أن مقولة الاقتصاديين التقليديين «الكل يساوي مجموع الأجزاء» غير صحيحة على الإطلاق، فهي موجودة فقط في خيالنا كاقتصاديين تماماً مثل «المنافسة الكاملة».
علينا أن نتذكر دائماً بأن التكاليف التي يمكن أن يتحملها المجتمع من تدخل الدولة، لا يمكن أن تقارن بالتكاليف التي يمكن أن يتحملها بسبب الأزمات المتلاحقة والمترتبة على الحرية شبه المطلقة.
أستاذ الاقتصاد بجامعة المنصورة - مستشار اقتصادي - الرياض.

لطباعة المقال لإرسال المقال لصديق